نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

 عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

الموضوع:  أوصاف المتّقین (39)

العلامة الحادية عشر للمتقین:

– “وَنَشَاطاً فِي هُدىً

معنى الهدایة

   لقد استعملت كلمة الهداية في القرآن ونهج البلاغة في قبال الهوى والميل, والمقصود من هداية المتّقين أنّهم بعيدون عن الهوى والرغبة وتسويلات النفس. يقول أمير المؤمنين (ع) عمّا سيقوم به صاحب العصر والزمان (عج) مع الناس عند ظهوره: “يَعْطِفُ الْهَوَى عَلَى الْهُدَى إِذَا عَطَفُوا الْهُدَى عَلَى الْهَوَى؛ وَ يَعْطِفُ الرَّأْيَ عَلَى الْقُرْآنِ إِذَا عَطَفُوا الْقُرْآنَ عَلَى الرَّأْيِ[1].

   إنّ الأفراد الذين نعموا بنور الهداية هم من قد تخلّوا عن حبائل الهوى. أمّا من كان معبوده هواه ورغباته فإنّه لن يُبصر طريق الهداية بغض النظر عمّا كان يقوم به من أعمال صائبة أو لا, وهذا هو معنى عدم التقوى.

معنی النشاط

   النشاط يقع في قبال الخمول, وفي اللغة يكون بمعنى الخفّة والسرعة في العمل. وعليه فإنّ المتّقين هم من يكونون في طريق الله ويأتون بالعبادات التي تُوصلهم إلى رضوان الله, يقومون بذلك وبالهم مطمئن بخفّة وسهولة, ولا يعتريهم الخمول أو تُسيطر عليهم الغفلة أبداً.

   ويأتي هذا من يقينهم بما قد وعد به الله المتقين, على غرار المنافقين الذين قال عنهم القرآن الكريم {إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا}[2]، وهذا هو حال الناس المرائين الذين يتقاعسون في خلواتهم عن الإتيان بالتكاليف الإلهية والعبادات المختلفة, في الوقت الذي يُسيطر عليهم النشاط والحيوية أمام الناس.

   يقول أمير المؤمنين (ع): “ثَلَاثُ‏ عَلَامَاتٍ‏ لِلْمُرَائِي:‏ يَنْشَطُ إِذَا رَأَى النَّاسَ، وَ يَكْسَلُ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ، وَ يُحِبُّ أَنْ يُحْمَدَ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ[3].

   إنّ يقين وعقيدة المتّقين في الطريق الذي يسلكونه وعاقبته, بالإضافة إلى درك أنّ الدنيا ممر ودار امتحان وما هي إلاّ دورة قصيرة جدّاً تنتهي بسرعة والآخرة هي محلّ البقاء ومقرّ الحياة الحقيقية, لا يُثبّت قدمهم وحسب في مسير الهداية بل يخلق في باطنهم قوّة محرّكة تبعث على النشاط والحيوية.

   ومن جهة أخرى فقد جرت السنّة الإلهية على أنّ أنوار محبّته تشرق في قلب العبد السائر على طريق العبودية, وكلّما مضى أكثر صار عاشقاً ووالهاً له أكثر حتّى يصل إلى مقام الإخلاص ويقول: “إِلَهِي مَا عَبَدْتُكَ‏ خَوْفاً مِنْ عِقَابِكَ وَ لَا طَمَعاً فِي ثَوَابِكَ وَ لَكِنْ وَجَدْتُكَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُكَ[4].

   لقد وصل هذا العبد العاشق في مقام عبوديّته إلى مرحلة إذا لم يكن هناك جنّة ونار فإنّه لن يُقصّر مقدار ذرّة واحدة في عباداته, ولن يخطر في ذهنه الملكوتي ولو للحظة الخروج من ربقة هذه العبودية. وهذا هو نفس النشاط الذي كان يملأ كيان أمير المؤمنين (ع) عندما كان يخرج في الليالي لخدمة الأيتام والمساكين والقيام بتلك الأعمال الصعبة و…, كان يقوم بكل ذلك في عتمة الليل وحيداً في خلوته بكلّ وله وتعطّش مناجياً ربّه.

   وهكذا فإنّ المتّقين يسرعون في طريق العبودية والهداية ويكونون في كامل نشاطهم بحيث يغتنمون كل فرصة من أجل زيادة عبادتهم وتقوية علقة عبوديتهم أكثر, وتكون كفصل الربيع بالنسبة إليهم. إنّ عشقهم ومحبّتهم للمعبود يُزهر وينمو أكثر فأكثر. وفصل الشتاء في الطبيعة هو ربيعاً لهم. يقول الإمام الصادق عليه السلام: “الشِّتَاءُ رَبِيعُ‏ الْمُؤْمِنِ‏ يَطُولُ فِيهِ لَيْلُهُ فَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى قِيَامِهِ، وَ يَقْصُرُ فِيهِ نَهَارُهُ فَيَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى صِيَامِهِ[5].

أقسامِ النشاط في الهدایة

1- النشاط في الهداية وتزكية النفس: المقصود أنّ المتّقين يسيرون في طريق تحصيل العلم ويأتون بالعبادات أعم من الواجب والمستحب ويتركون المنهيات أعم من الحرام والمكروه بكل نشاط وحيوية, وذلك من أجل الهداية والتكامل. وبعبارة أخرى ترى الهمة والنشاط تملأ كيانهم من أجل مرضاة الله سبحانه وتعالى.

2- النشاط في هداية الآخرين: المقصود أن المتّقين لا يكونون معجبين بأنفسهم, ولا يقفهون مكتوفي الأيدي أمام جهل وخطأ الآخرين. ففساد الناس يُزعجهم ويُؤلم قلوبهم, في الوقت الذي يعرفون وظيفتهم الشرعية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, لذلك وحتّى لا يقفون مكتوفي الأيدي ولكي يقوموا بتكليفهم الشرعي على أتمّ وجه, فإنّهم لا يتوانون عن الإتيان بأيّ عمل يقع في طريق الهداية ومساعدة المذنبين أو الذين قد وقعوا في أسر جهل شياطين الإنس والجن, وعليه ينهضون بكلّ خفّة ونشاط للقيام بواجبهم في هذا الطريق.

   وبالعودة إلى كلام القرآن الكريم, فإنّ رسول الله (ص) لم يكن صاحب همّة عالية وحسب في هدايته للناس ونجاتهم, بل كان حريصاً عليهم {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ}[6].

   يدعو الإمام زين العابدين (ع) في الدعاء الوارد قراءته كل يوم في شهر رمضان المبارك: “اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي فِيهِ الْجِدَّ وَ الِاجْتِهَادَ وَ الْقُوَّةَ وَ النَّشَاط[7].


[1]  نهج‏البلاغة، الخطبة 138.

[2]  سورة النساء:الآية۱۴۲.

[3]  الکافي، ج٢، ص٢٩٥.

[4]  بحار الأنوار، ج٤١، ص١٤.

[5]  الأمالي (للصدوق) ص٢٣٧.

[6]  سورة التوبة: الآية 128.

[7]  الكافي،ج٤،ص٧٦.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment