نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين.

 عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع امره و نهيه.

الموضوع:  أوصاف المتّقین (42)

العلامة الرابعة عشر للمتقین:

– “يُمْسِي وَهَمُّهُ الشُّكْرُ“.

   ممّا يُميز المتّقين مسألة الشكر للنعم الإلهية. فمع الانشغالات اليومية وما يستتبع ذلك من جهد وعناء يُحافظون على توجّههم لله سبحانه وتعالى والالتفات إلى نعمه. 

حقیقة الشکر

   ينقل العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان: “وحقيقة الشكر إظهار النعمة كما أن الكفر الذي يقابله هو إخفاؤها والستر عليها. وإظهار النعمة هو استعمالها في محلها الذي أراده منعمها وذكر المنعم بها لسانا وهو الثناء, وقلبا من غير نسيان. فشكره تعالى على نعمة من نعمه أن يذكر عند استعمالها ويوضع النعمة في الموضع الذي أراده منها ولا يتعدى ذلك. وإن من شئ إلاّ وهو نعمة من نعمه تعالى ولا يريد بنعمة من نعمه إلا أن تستعمل في سبيل عبادته…”[1].

   يقول الإمام الصادق علیه السّلام:”أَدْنَى‏ الشُّكْرِ رُؤْيَةُ النِّعْمَةِ مِنَ اللَّهِ، مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ يَتَعَلَّقُ الْقَلْبُ بِهَا دُونَ اللَّهِ، وَ الرِّضَا بِمَا أَعْطَاهُ، وَ أَنْ لَا تَعْصِيَهُ بِنِعْمَتِهِ وَ تُخَالِفَهُ بِشَيْ‏ءٍ مِنْ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ بِسَبَبِ نِعْمَتِهِ[2]. ‏

الشکر في القرآن الکریم

   لقد أثنى الله في مواضع عديدة من القرآن الكريم على حقيقة الشكر وامتدح الشاكرين, فيقول عزّ وجل:

– {وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ مَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها وَ سَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ}[3].

– {ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَ آمَنْتُمْ وَ كانَ اللَّهُ شاكِراً عَلِيماً}[4].

   ويقول الله أيضاً في القرآن الكريم عند وصفه لإبراهيم الخليل الذي يُعدّ من خيرة الأنبياء بعد النبي الأكرم (ص): {إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ؛ شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ}[5].

   وهنا تبرز أهمية ومؤثريّة الشكر على صعيد التقوى والعبودية حيث أنّ الشيطان يبذل أقصى جهده لإبعاد الإنسان عن مقام الشكر: {قالَ … لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ؛ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمانِهِمْ وَ عَنْ شَمائِلِهِمْ وَ لا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ}[6].

   وبالتالي أجاب الله سبحانه وتعالى على وقاحة إبليس هذه والوعد الذي أطلقه: {قالَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ}[7]. وقال في موضع آخر من القرآن الكريم: {وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ}[8].

آثار الشکر

   إنّ من آثار الشكر الوعد الذي قد أعطاه الله جل وعلا في القرآن الكريم: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ}[9].

   يقول أمير المؤمنين (ع): “إِذَا وَصَلَتْ إِلَيْكُمْ أَطْرَافُ النِّعَمِ فَلَا تُنَفِّرُوا أَقْصَاهَا بِقِلَّةِ الشُّكْر[10]. أي إنّ التقصير في الشكر يبعث على رفع النعم, والعكس صحيح فالشكر يستوجب استحضار النعمة ونزولها.

   يقول الإمام الصادق (ع): “مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ اشْكُرْ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ وَ أَنْعِمْ عَلَى مَنْ شَكَرَكَ فَإِنَّهُ لَا زَوَالَ لِلنَّعْمَاءِ إِذَا شُكِرَتْ وَ لَا بَقَاءَ لَهَا إِذَا كُفِرَتْ. الشُّكْرُ زِيَادَةٌ فِي النِّعَمِ وَ أَمَانٌ مِنَ الْغِيَر[11].

شکر وسائط الفیض الإلهي لازم للشکر الإلهي

يجب الالتفات إلى هذا الأمر حال شكر الله سبحانه وتعالى من أنّ الله جلّ وعلا قد كلّف عباده بشكر الوسطاء في وصول النعمة أيضاً, وما لم يحصل ذلك لا يتأتّى شكر الله أبداً, يقول الإمام السجّاد (ع): “إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ كُلَّ قَلْبٍ حَزِينٍ وَ يُحِبُّ كُلَّ عَبْدٍ شَكُورٍ يَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَشَكَرْتَ فُلَاناً فَيَقُولُ بَلْ شَكَرْتُكَ يَا رَبِّ فَيَقُولُ لَمْ تَشْكُرْنِي إِذْ لَمْ تَشْكُرْهُ ثُمَّ قَالَ أَشْكَرُكُمْ‏ لِلَّهِ‏ أَشْكَرُكُمْ لِلنَّاسِ[12].

والحمد الله ربّ العالمين


[1]  تفسير الميزان, ج 4, ص 38.

[2]  مصباح الشريعة، ص٢٤.

[3]  سورة آل عمران:الآية ١٤٥.

[4]  سورة النساء:الآية ١٤٧.

[5]   سورة النحل:الآية١٢٠-١٢١.

[6]  سورة الأعراف:الآية ١٦-١٧.

[7]  سورة الأعراف:الآية ١٨.

[8]  سورة سبأ:الآية ١٣.

[9]  سورة إبراهیم:الآية ٧.

[10]  نهج البلاغة (لصبحي الصالح) ص٤٧٠.

[11]   الكافي، ج٢، ص٩٤.

[12]  الكافي، ج٢، ص٩٩.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment