نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الموضوع: أوصاف المتّقین (49)

العلامة التاسعة عشر:

قُرَّةُ عَینِهِ فِیمَا لَا یزُولُ وَزَهَادَتُهُ فِیمَا لَا یبْقَی“.

   المقصود من (قرّة العين) هو ما يبعث على السرور والسعادة للإنسان. ينقل القرآن الكريم قصة موسى مع فرعون عندما كان موسى رضيعاً {وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ‏ قُرَّتُ‏ عَيْنٍ لِي وَلَكَ‏}[1], ثم يقول الله عن عودته إلى أمّه {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ}[2].

   هنا نرى أمير المؤمنين (ع) يشير إلى علامة من علامات المتّقين والتي تبعث على السعادة والسرور وهي أنّ المتّقين لا يُعلّقون آمالهم على أمور فانية وزائلة بل تراهم يتمسّكون بكلّ ما هو خالد وباقي. وهذا إن كان يدل على شيء فهو يدل على مستوى الوعي الكبير لديهم وفطنتهم ونباهتهم حيث أنّهم يستفيدون من رأسمالهم الثمين (العمر والاستعداد) في تحصيل البقاء والخلود الأبدي.

   إنّ المتقين لا يغترّون بالملذات والمفاتن الزائلة ولا يسعدون بها, لذلك تراهم لا يميلون إليها ولا يصرفون لحظات عمرهم المحدود على هذه الأمور. وعلى العكس من ذلك فإنّ اكتساب أيّ شيء خالد وباقي يبعث على سرورهم وسعادتهم, فتراهم يتسابقون مع الآخرين في تحصيله.

ما هو الشيء الخالد؟ يُجيبنا القرآن الكريم:

– {كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ * وَيَبْقى‏ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ}[3].

– {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ كُلُّ شَيْ‏ءٍ هالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}[4].

   إنّ الخلود والبقاء مختصّ بالله سبحانه وتعالى, وجميع ما سواه محكوم بالفناء, من هنا نصل إلى درك أنّ الله جلّ وعلا هو مصدر سعادة المتقين ومحل أنس قلوبهم.

   وهكذا فنرى أنّ فئةً من المتّقين يصرفون جميع لحظات أعمارهم في سبيل التقّرب من الله سبحانه والأنس به, بالإضافة إلى تسخير كل ما لديهم للوصول إلى مرضاة الله. وهذا ما يقوله أمير المؤمنين (ع): “مَا عَبَدْتُكَ‏ خَوْفاً مِنْ نَارِكَ وَ لَا طَمَعاً فِي جَنَّتِكَ وَ لَكِنْ رَأَيْتُكَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ فَعَبَدْتُكَ[5].

   لقد وصل الحال بهم أن بلغت معرفتهم لله حدّ العشق بحيث لا ترى في قلوبهم شيئاً آخر, ففي عالم الوجود يرون الله فقط. بالإضافة إلى ذلك تجلّت صفات الجمال والجلال لله سبحانه في وجودهم فأسرهم عشقه وذابوا فيه. وعليه لا ترى لهم مثيلاً في عبادة الله, وتراهم لا يألون جهداً إلّا لوصال المحبوب. وهكذا لا يكون للخوف من العذاب ولا للطمع في النعم الإلهية أيّ تأثير عليهم لحرفهم عن التوجّه للمعبود, فيغرقون في ذاته.

   ولكن ليس جميع المتّقين في هذه الفئة, فلدينا فئة أخرى أبعد من الفئة الأولى في ارتباطها مع الله جلّ وعلا, ولكنّهم قطعوا علاقتهم بالدنيا ومفاتنها وأعرضوا عنها, وهدفهم وهمّهم هو الآخرة والوصول للنعم الخالدة ذلك أنّهم يعرفون جيداً هذا الأمر{وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى}[6].

   هذه الفئة من المتّقين سعادتهم تكمن في الوصول للحياة الخالدة والأبدية, ويزهدون بالمقابل بكل ما هو فانٍ وزائل, لكنّ الخوف من العذاب والغضب الإلهي أو الشوق للجنّة والنعم الإلهية -الذي يحثّهم بالتالي على تحصيل مرضاة الله إن من خلال الإتيان بالأعمال الصالحة أو ترك الأمور التي لا يرتضيها الله- هو الذي يُنجيهم من عقاب الله ويوصلهم للفوز بالجنّة.

   هؤلاء يعلمون أنّ الدنيا بكل زخارفها ومفاتنها فانية وزائلة ولن تدوم, ومن يُعلّق آماله عليها فلن يحصد غير الخسران الأبدي. إنّ الدنيا قصيرة وسريعة الزوال لدرجة أنّ الله قد عبّر عنها ب(الزهرة), فالحياة تُشبه الزهرة بجمالها وعطرها الفاتن, لكنّها قصيرة جدّاً. يقول القرآن الكريم: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى}[7].

   ولكن ينبغي الالتفات أنّ العبودية لله بسبب الخوف من جهنم والطمع بالجنة مقامها مختلف كثيراً عن العبودية له جلّ وعلا الناشئة من المحبّة والعشق للمحبوب!!

   وفي النتيجة فإنّ أهل التقوى على أيّ حال كانوا قد قطعوا تعلّقهم بالدنيا وارتبطوا بالحياة الأبدية, وكانت هذه الآية شعاراً وعنواناً لهم {وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَ لَعِبٌ وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ}[8].

[1]  سورة القصص:الآية 9.

[2]  سورة القصص:الآية 13.

[3]  سورة الرحمن:الآية 26-27.

[4]  سورة القصص:الآية 88.

[5]  نهج الحق وكشف الصدق، ص ٢٤٨.

[6]  سورة الأعلی:الآية ١٧.

[7]  سورة طه:الآية ١٣١.

[8]  سورة العنکبوت:الآية ٦٤.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment