نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الموضوع: أوصافالمتّقین (45)

* العلامة الخامسة والعشرون للمتقین:

مَنْزُوراً أَكْلُهُ‏”.

   هناك احتمالان يمكن الوقوف عليهما في كلام أمير المؤمنين (ع) حول مفردة (أكل):

– لدينا (أُكل) على وزن (عُنق) وعليه يكون مراده عليه السلام طبق هذا الاحتمال الحظ والنصيب الدنيوي, أي أنّ تعلّق المتّقين بالدنيا يكون قليلاً. فالمتّقون ومن أجل أنّهم قد أخذوا من الدنيا ما يحتاجون إليه فقط بمقدار الضرورة, نرى أنّ تعلّقهم بالنعم الدنيوية قليلاً ومحدودا.

– (أَكْل) على وزن (خَرْج‏) وعليه يكون المقصود من كلامه عليه السلام طبق هذا الاحتمال تناول الطعام, أي أنّ المتقين طعامهم قليل.

   يؤكد أمير المؤمنين (ع) في بيانه لصفات المتّقين بأنّ طعامهم قليل. وكذلك يقول الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم {كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِين}[1]. بناء على هذا الأساس فإنّ المتقين ليسوا بمسرفين كما أن ابتعادهم عن الإسراف يسري كذلك إلى جميع النعم والمواهب الإلهية الدنيوية. فالإسراف يكون بمعنى الصرف الزائد عن المقدار اللازم, ويمكن أن يسري ويتحقّق في جميع الأمور والموارد.

* العلامة السادسة والعشرون للمتقین:

سَهْلًا أَمْرُه‏”.

   إنّ أمور المتّقين سهلة وبسيطة, أي أنّهم لا يُزاحمون غيرهم ولا يشقّون عليهم من أجل تيسير أمورهم, كذلك لا يألون عناءً ولا يتكبّدون الجهود من أجل رفاه وراحة الآخرين. وعليه تراهم يتنازلون عن الأمور الكمالية غير الأساسية في حياتهم المتعلقة بالمأكل والمشرب واللباس والسفر واستقبال الضيوف وتقديم الهدايا للآخرين والزواج و… ولذلك يعيشون براحة وسهولة أكثر من الآخرين.

   يقول أمير المؤمنين (ع): “شَرُّ الْإِخْوَانِ‏ مَنْ تُكُلِّفَ لَه[2]. إنّ من يشقّ على الآخرين ويكلّفهم العناء والتعب من أجل خيالاته وآماله وأمنياته البعيدة المنال يكون من أسوأ الأشخاص على الإطلاق.

    لقد أكدّ أهل البيت وأوعزوا لنا بعدم التكلّف في علاقتنا مع الآخرين بل يجب أن تكون السهولة والبساطة هي الغالبة. ‏وهنا يلزم أن نتجاوز عن المساوئ التي قد اقترفت في حقّنا, ولو حصل وظهر الندم والحسرة على وجوههم يجب علينا أن نسهّل الطريق لهم حتّى يتمكنّوا من الاعتذار والتجاوز عن قبيح ما فعلوه واقترفوه, أضف إلى ذلك يجب أن لا نضعهم تحت الضغط ونلح بالطلب عليهم من أجل سداد ما اقترضوه منّا.

   قال الإمام الصادق عليه السلام لبعض شيعته: ما بال أخيك يشكوك ؟ فقال: يشكوني أن استقصيت عليه حقي. فجلس عليه السلام مغضبا ثم قال: كَأَنَّكَ إِذَا اسْتَقْصَيْتَ عَلَيْهِ حَقَّكَ لَمْ تُسِئْ، أَرَأَيْتَكَ مَا حَكَى اللَّهُ عَنْ قَوْمٍ‏ يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ؟‏ أَخَافُوا أَنْ يَجُورَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؟ لَا، وَ لَكِنْ خَافُوا الِاسْتِقْصَاءَ، فَسَمَّاهُ اللَّهُ‏ سُوءَ الْحِسابِ؛‏ فَمَنِ‏ اسْتَقْصَى‏ فَقَدْ أَسَاءَ[3].

   فلو أنّ الإنسان لم يتعامل بيسر وسهولة مع الآخرين, ففي القيامة لن يُسهّل الله تعالى عليه أمره, وسيكون من جملة هؤلاء الأشخاص الذين يتحدّث القرآن عنهم بهذه الآية {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ؛ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً؛ وَ يَنْقَلِبُ إِلى‏ أَهْلِهِ مَسْرُوراً}[4].

   هنا وبالرجوع إلى المتّقين نجد أنّهم وبسبب الزهد والحياة البسيطة السهلة يُقلّلون من تكاليف الحياة عليهم, وهذا الأمر يبعث على أن تكون حياتهم سهلة وغير معقّدة, وأن لا يغفلوا عن مسائل حياتهم الأساسية والأصيلة. فالمتّقون لا يُثقلون كاهل الآخرين في الأيام الصعبة والعصيبة وحسب, بل يمدّون يد العون لهم ويقفون إلى جانبهم.

* العلامة السابعة والعشرون للمتقین:

حَرِيزاً دِينُهُ‏”.

   إنّ دين المتّقين محفوظ ومصون, والسبب في ذلك يعود إلى وصولهم لمقام اليقين والذي تمّ الإشارة إليه سابقاً في هذه الخطبة (إيمانا في يقين). فمقام اليقين للمتقين يحفظ دينهم ويصونه من جميع أنواع وأشكال الشبهات.

   إنّنا نرى أنّ الإنسان العامي يرجع في أحكامه الشرعية إلى المتخصّص ومرجع التقليد وفق رأيه, وهذا ما نطلق عليه التقليد في الأحكام, ولكن التقليد في الاعتقادات لا معنى له, ذلك أنّ كلّ إنسان عليه أن يبني اعتقاداته على أساس الدليل والبرهان. وهنا ينشط الأعداء ويسعون جاهدين بكلّ ما أوتو من قوة على إلقاء الشبهات في العقائد كي يُدمّروا أركان وأسس الدين, فلو كانت هذه الاعتقادات مبتنية على التقليد ولم تكن مستندة لأسس يقينية لتزلزلت عند إلقاء الشبهات واضمحلت في نهاية المطاف. وهنا لو تمكّن الإنسان من الوصول إلى اليقين في اعتقاداته فلن يكون لشبهات الشياطين بعد ذلك من مكان يزلزلها. وهذا ما يمكّن المتقين من مراقبة دينهم وحفظه من التزلزل والشبهات.

   لقد أكدّ أهل البيت (ع) لنا على أهمية طلب اليقين من الله سبحانه وتعالى من أجل حفظ دين الإنسان. وقد أوصى الإمام الصادق (ع) بقراءة هذا الدعاء بعد صلاة الصبح والمغرب: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْكَ،‏ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ، وَ اجْعَلِ النُّورَ فِي بَصَرِي، وَ الْبَصِيرَةَ فِي دِينِي، وَ الْيَقِينَ‏ فِي‏ قَلْبِي‏، وَ الْإِخْلَاصَ فِي عَمَلِي، وَ السَّلَامَةَ فِي نَفْسِي، وَ السَّعَةَ فِي رِزْقِي، وَ الشُّكْرَ لَكَ أَبَداً مَا أَبْقَيْتَنِي[5].

[1] سورة الأعراف:الآية ٣١.

[2]  نهج البلاغة, (صبحي صالح) ص ٥٥٩.

[3]  تحف العقول، ص ٣٧٢.

[4]  سورة الإنشقاق: الآية ٧-٩.

[5]  الكافي، ج٢، ص٥٥٠.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment