نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الموضوع: أوصاف المتّقین (57)

العلامة الواحدة والثلاثون للمتقین:

‏”الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ“.

الخير هو الأمر الذي يطمح له الجميع, مثله كالعقل والعدل وأيّ شيءٍ ذا قيمة ويقابله الشر. يقول العلامة الطباطبائي حول معنى الخير: ” الخير بحسب الوزن صفة من قولهم خار يخار خيره إذا انتخب واختار أحد شيئين يتردد بينهما من حيث الفعل أو من حيث الأخذ بوجه فالخير منهما هو الذي يفضل على الاخر في صفة المطلوبية فيتعين الاخذ به فخير الفعلين”[1].

وبالرجوع إلى القرآن الكريم نرى أنّ الله سبحانه تارة يضع الخير مقابلاً للشر وأخرى في قبال الضرر والأذى:

{وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ}[2].

{وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}[3].

وبالإضافة لما مر يقول القرآن الكريم {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ}[4], كما ويعد المسارعة للإتيان بالخيرات من علامات الأشخاص الصالحين {يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ}[5].

هنا نرى أنّه قد ورد وصف العديد من الأنبياء الذين كانوا يدأبون على المسارعة في الخيرات بوصف الأخيار عندما قال سبحانه: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ … وَإِنَّهُمْ عِنْدَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ؛  وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيَارِ}[6].

لقد عدّد القرآن جملة من الأمور التي لا يوجد خير فيها, ومن جملة ما ذكر: المال والبنون: المال والولد الصالح خير, ولكن عندما لا يكون في مرضاة الله سبحانه لا خير فيهم أبداً, وهذا ما أشار إليه بقوله:

{أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ؛ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ}[7].

كذلك أكدّ الله سبحانه على عدم وجود الخير في كثير من النجوى عندما قال:

{لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}[8].

نصل الآن إلى المتقين فنرى أنّهم وبسبب اقتلاعهم لجذور حب الدنيا من قلوبهم لا تؤثر فيهم مفاتن الدنيا التي تعزّز بدورها زيادة ثروتهم وحرصهم وشجعهم, ولذلك يكون الناس في أمان من شرّهم, بل على العكس دائما ما يرجون الإحسان منهم وينتظرون فعل الخير. يقول أمير المؤمنين عليه السلام:

خَيْرُ النَّاسِ‏ مَنْ‏ نَفَعَ‏ النَّاسَ“. ويقول أيضاً: “خَيْرُ النَّاسِ مَنْ تَحْمِلُ مَؤُنَةَ النَّاسِ[9].

إنّ هذا الأمل برجاء الخير والأمن من شرور المتقين نراه جلياً عندما يؤكد الرسول الأكرم (ص) على اتّسام المؤمن والمسلم العادي والذي يكون أقل من المتّقين بهذه الصفة عندما يقول: “أَلَا أُنَبِّئُكُمْ لِمَ‏ سُمِّيَ‏ الْمُؤْمِنُ‏ مُؤْمِناً؟ لِإِيمَانِهِ النَّاسَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ؛ أَ لَا أُنَبِّئُكُمْ مَنِ الْمُسْلِمُ؟ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ [مِنْ‏] يَدِهِ وَ لِسَانِهِ[10].

وفي الأخير نصل إلى هذه النتيجة أنّ الناس لا يأمنون وحسب من شرور المتّقين بل إنّ وجودهم هو سبب للخير والبركة إلى الحدّ الذي تمّ تشبيههم في الروايات بالنحل. فنرى أنّ النحلة تقوم بصناعة العسل المليءِ بفوائده, بالإضافة إلى الشَهد الذي لا يقل أهمية عن العسل بمنفعته, كذلك فإنّ دورانها على الأزهار هو السبب في تلقيحها ورشدها, إلى درجة أنّ الإبرة التي تلسع بها للدفاع عن نفسها يُستفاد منها أيضاً في مداواة بعض الأمراض. يقول النبي الأكرم (ص): “إِنَّ‏ مَثَلَ‏ الْمُؤْمِنِ‏ كَمَثَلِ‏ النَّحْلَةِ إِنْ صَاحَبْتَهُ نَفَعَكَ وَ إِنْ شَاوَرْتَهُ نَفَعَكَ وَ إِنْ جَالَسْتَهُ نَفَعَكَ وَ كُلُّ شَأْنِهِ مَنَافِعُ وَ كَذَلِكَ النَّحْلَةُ كُلُّ شَأْنِهَا مَنَافِعُ[11].

والحمد الله ربّ العالمين

[1]  تفسير المیزان، ج3، صص152 -153.

[2]  سورة یونس: الآية 11.

[3]  سورة یونس: الآية 107.

[4]  سورة البقره: الآية 148.

[5]  سورة آل عمران: الآية 114.

[6]  سورة ص: الآية ۴۵-48.

[7]  سورة المؤمنون:الآية ۵۵-56.

[8]  سورة النساء: الآية ۱۱4.

[9]  عيون الحكم و المواعظ، ص٢٣٩.

[10]  علل الشرائع، ج٢، ص٥٢٣.

[11]  بحار الأنوار، ج٦١، ص ٢٣٨.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment