نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

العلامة السادسة والثلاثين للمتقين: 

‏ “لَا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ“. 

من الصفات التي يمتاز بها المتقون أنّهم يحفظون الأمانات الموجودة لديهم ولا يُضيعونها. وبعبارة أخرى المتقون هم أناس مؤتمنون. 

أنواع الأمانة

يمكن تقسيم الأمانة بشكلٍ عام إلى قسمين, والمتّقون يسعون جهدهم للمحافظة على كلا النوعين ويدأبون في ذلك ما استطاعوا: 1- الأمانة الإلهية  2- أمانات الناس

  1. الأمانة الإلهية  

إنّ مالكية جميع الكائنات ترجع لله سبحانه وتعالى ولا أحد يُشاركه وينازعه في هذه الملكية. يقول القرآن الكريم {ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ اللَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ}  ويقول في آية أخرى {لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما فِيهِنَّ وَ هُوَ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ قَدِيرٌ}. 

بالرجوع إلى هذه الآيات نرى أنّ السماوات والأرضين وما فيهما وما بينهما, لا بل وجميع مخلوقات الله هي ملك له وحده. أضف إلى أعضائنا وجوارحنا, فما هي إلّا أمانة بين أيدينا يجب علينا أن نستفيد منها خلال هذه المدّة المحدودة التي نقضيها في حياتنا في هذا العالم وبعد مدّة قصيرة سنمثل في محكمة العدل الإلهي لنجيب على حفظنا وتعاملنا مع هذه الأمانة. 

وعليه نصل إلى أنّ آذاننا وأعيننا وأيدينا وألسنتنا و.. جميعها أمانة قد وضعها الله في عهدتنا, وقد أمرنا خالقها ومالكها أن نستفيد منها في مقابل الآفات والأخطار التي تعرض علينا. بالإضافة لما تقدّم نجد أنّ الله قد بيّن لنا عن طريق الكتب السماوية وأنبيائه وأوليائه هذه الآفات. فعلى سبيل المثال نجد أنّ آفة النظر هي النظر إلى غير المحارم, و الغيبة والكذب والسخرية هي آفة اللسان, كذلك السرقة والربا هي آفة المال ولقمة الحرام, والتربية غير الدينية تكون آفة المرأة والولد, والعجب والتعالي على الرعيّة هي آفة الرياسة والقيادة… وفي المحصّلة نصل إلى أنّ الإنسان ما لم يمضِ في طريق الله سبحانه وتعالى ولم يصن ويحترم أمانات الله مقابل هذه الآفات فسيكون قد خانها وسقط في الامتحان الكبير. أمّا المتّقون فلا يغفلون أبداً عن مالكية الله عزّ وجل, لا بل ويبذلون قصارى جهدهم وما بوسعهم من أجل حفظ أمانات الله.    

حفظ الحدود والحقوق الإلهية

يجب علينا أن نراعي حدود هذه الأمانات كي ننجح في الامتحان أمام الله سبحانه. لقد وضع الله جلّ وعلا حدّاً وضوابط لكلّ شيء وبيّن تفصيله في القرآن وعلى لسان عترته الطاهرة الأمر الذي يُحتّم على كل مسلم أن يكون ملمّاً ولو لحدودٍ معينة بهذه الحقوق الإلهية. يقول القرآن الكريم في توصيف المؤمنين الحقيقين {التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ}. 

  1. 2.آمانات الناس

القسم الآخر الذي يتكفّل المتّقون بحفظه هو عبارة عن الأمانات التي يستودعها الناس إيّاهم, فيدأبون على حفظها وعدم التفريط بها. فالمتّقون هم أمناء في أعين الناس. يقول القرآن الكريم {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها}. ويقول أيضاً {فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمانَتَهُ وَ لْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ}.  

يقول الإمام الصادق (ع): “إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيّاً إِلَّا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَى الْبَرِّ وَ الْفَاجِرِ“.  

وعليه أيّ شخصٍ يضع أمانة عند إنسان مؤمن يجب أن يُعيدها إليه سالمة من دون أي عيب أو نقص ولا يختلف هذا الحكم بين الأشخاص الصالحين أو الطالحين. 

ينقل أبو حمزة الثمالي عن الإمام زين العابدين (ع) أنّه قال لشيعته: “عَلَيْكُمْ بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ فَوَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ نَبِيّاً لَوْ أَنَّ قَاتِلَ أَبِيَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ائْتَمَنَنِي‏ عَلَى‏ السَّيْفِ‏ الَّذِي قَتَلَهُ بِهِ لَأَدَّيْتُهُ إِلَيْهِ“.  

آمانات المجالس

من مصاديق الآمانة إفشاء السر أمام الناس من قبل الإنسان الذي ائتمن على ذلك. فإفشاء أسرار الناس تُعدّ من مصاديق الخيانة. فكلّ في ذكر داخل المجالس أعم من الكلام أو الفعل الذي لا يرتضي صاحبه بإفشائه أو يستلزم إراقة ماء وجه الإنسان المؤمن عند وصوله لأسماع الآخرين يُعدّ آمانة تجب المحافظة عليها. يقول رسول الله (ص): “يَا أَبَا ذَرٍّ، الْمَجَالِسُ‏ بِالْأَمَانَةِ، وَ إِفْشَاؤُكَ سِرَّ أَخِيكَ خِيَانَةٌ فَاجْتَنِبْ ذَلِكَ“.  

ويقول الإمام الصادق (ع): “الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحَدِّثَ بِحَدِيثٍ يَكْتُمُهُ صَاحِبُهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ثِقَةً أَوْ ذِكْراً لَهُ بِخَيْرٍ“.  

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment