نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

العلامة الثامنة والثلاثين للمتقین:

‏ “وَلَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ“.

الشماتة في اللغة تعني الفرح بما حلّ على الأعداء من بلاء ومصائب[1]. فنرى أنّ موسى عليه السلام بعدما رجع من جبل الطور وشاهد بني إسرائيل يعبدون العجل تعجّب كثيراً فقام ووبّخ أخاه هارون. فأجابة هارون بقوله: “فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ[2].

وهكذا هم المتّقون فتراهم ينأون بأنفسهم عن الشماتة بأعدائهم فلا يفرحون بما يحلّ عليهم من مصائب وويلات, وعليه فبطريق أولى لا يفرحون بمصائب من هم ليسوا بأعداء لهم.

يحضرنا هنا الامتحانات الصعبة والكثيرة التي ابتلى الله بها نبيه أيوب (ع). وعندما أتمّ النبي أيوب هذه البلاءات وتجاوزها بنجاح سأله الله جلّ وعلا عن أصعب شيء مرّ عليه وسط هذه البلاءات جميعا, فكان الجواب من أيوب (ع): “شَمَاتَةُ الْأَعْدَاءِ[3].

يقول الإمام الصادق (ع): “لَا تُبْدِي الشَّمَاتَةَ لِأَخِيكَ‏ فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَ يُصَيِّرَهَا بِكَ“.  ويقول أيضاً: “مَنْ شَمِتَ بِمُصِيبَةٍ نَزَلَتْ بِأَخِيهِ لَمْ يَخْرُجْ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يُفْتَتَنَ[4].

والحاصل أنّ المؤمن لا يجب أن يشمت بمصاب الآخرين حتّى لو كانوا أعداءاً له,هذا أوّلاً وثانيا لو اتفق وأصابه الفرح بما رآه من حالهم عليه أنّ لا يُظهر ذلك للعيان ويكون عذاب الآخرين وألمهم سبباً في فرحه وسروره.

لقد تجرّع إمامنا السجاد (ع) طعم الشماته المرّ بسبب الأسر بعد عاشوراء, فيقول في منجاته لله سبحانه وتعالى: “نَعُوذُ بِكَ مِنْ شَمَاتَةِ الْأَعْدَاءِ[5].

العلامة التاسعة والثلاثين للمتقین:

‏ “وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ وَلَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ“.

من الخصائص التي يتحلّى بها المتّقون أنّهم لا يضعون قدمهم في طريق الباطل على الإطلاق ولا يحيدون عن حدود الحقّ قيد أنملة. فنرى أنّ الكثير من الناس نتيجة اختلافاتهم الكبيرة في العقيدة والأخلاق يختار كل واحد منهم طريقا يرى الحق من خلاله, ولأجل هذا السبب يفترقون ويختلفون فيما بينهم. ولكن من الواضح والمسلّم أنّ الحقيقة واحدة وغير متكثّرة, ولا يمكن قبول أنّ جميع الطرق والمسالك في هذا العالم محقّة وصحيحة, بل الغالب منها يختلط فيها الحق والباطل. وعليه يجب فيمن يبحث عن الحقيقة أن يتخلّى عن العناد والتعصّب وبعد العثور على الطريق الصائب (من خلال التحقيق والتفكّر) يسعى ويدأب للوصول إليه.

وهكذا فإنّ المتّقين قد وصلوا وحطّت قدمهم على الصراط المستقيم وبلغوا الحقيقة في هذا العالم من خلال الهداية الإلهية وبالاعتماد على التعقّل والتحقيق. يُعرّفنا القرآن على حقيقة العالم للبشرية وأتباع طريق الحق بقوله: {ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَ أَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْباطِلُ وَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}[6].

في الأخير الله سبحانه هو محور الحق, وكلّ ما يمتّ إليه بصلة يكون محقاً, ويكتسب قدسيته منه تعالى. في المقابل كلّ ما هو مخالف لله تعالى يكون بعيداً عن دائرة الحق ولا يعدو سوى جزئاً من الباطل. يقول الإمام الصادق (ع): “الْبَاطِلُ فَهُوَ مَا يَقْطَعُكَ‏ عَنِ‏ اللَّهِ[7].

[1]  لسان العرب، ج‏٢، ص٥١.

[2] سورة الأعراف:الآية ١٥٠.

[3]  تفسير القمي، ج‏٢، ص٢٤٢.

[4]  الكافي، ج‏٢، ص٣٥٩.

[5]  الصحيفة السجادية، ص٥٦؛ المناجات الثامنة.

[6]  سورة الحج:الآية ٥٣.

[7]  بحار الأنوار، ج‏٦٧، ص٢٩٥.

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment