نماز جمعه

خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

الأنبياء في القرآن (13)

الأسس المشترکة في سيرة الأنبياء

الأصل الخامس عشر: الشهادة على أعمال الأمة

من الأصول المشتركة في سيرة الأنبياء الإلهيين هي أنّ كل نبي هو شاهد على أعمال أمته. وهنا يشير القرآن الكريم إلى شهادة رسول الله على أعمال الأمة الإسلامية وذلك في أحوال يوم القيامة عندما تعرض أعمال الناس ويقول {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}. 

كما أنّ هذه الشهادة ليست منحصرة بالرسول الأكرم (ص) وحسب بل إنّ كل نبي سيشهد على أمته أيضاً, وهذا ما يؤكد عليه القرآن بقوله {وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ}.

وبالرجوع إلى هذه الآية فإنّ كل واحد من الأنبياء سيكون حاضراً وشاهداً عند الوصول إلى مرحلة عرض أعمال أمته أمام الله عزّ وجل, وسيكون كذلك النبي الأكرم (ص) شاهداً على جميع الأنبياء كيف لا وهو خاتم النبيين وصاحب المقام والمنزلة الأعلى والأرفع بينهم. وهنا نجد كما ذكر القرآن الكريم أنّ المقربين من ساحة الله سبحانه وتعالى سيكونون شاهدين على صحيفة أعمال الأبرار والمحسنين من الناس {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ؛ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ؛ كِتَابٌ مَرْقُومٌ؛ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}. 

بناء على ما تقدّم سيكون لحضور الأنبياء في عرصات يوم القيامة وشهادتهم على الناس أثره في بعث القلق والاضطراب في نفوس مخالفيهم وأعدائهم وذلك على العكس ممّا سيجده أتباعهم من الوجد والسرور. وهنا وفي خضم هذه اللحظات العصيبة في يوم القيامة سيجد من تمسّك بالأولياء نتيجة عمله وسيكون سعيداً فرحاً بحضورهم إلى جانبه وشهادتهم على ما عمله وقدّمه في حياته.   

الأصل السادس عشر: الامتثال للجواب في محضر الله سبحانه وتعالى

  إنّ تحمّل المسؤولية والامتثال للجواب في محضر الله سبحانه يختص ويمتاز به جميع الأنبياء. وعليه  سيُسأل الأنبياء عن إيصالهم للرسالة الإلهية إلى أممهم, وهدايتهم لهم وإرشادهم إلى العبودية لله, ولن يكونوا معذورين في أيّ تقصير يرجع إلى أدائهم وتحمّلهم لهذه المسؤولية. وهكذا وكما يذكر القرآن الكريم فلن يكون هناك أحد مستثنى يوم القيامة الكبرى من السؤال وسيخضع الجميع للمساءلة. يقول الله تعالى في سورة الحجر مشيراً إلى هذا الموضوع {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ؛ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.

كما وجاء في سورة الأعراف أنّ جميع الأنبياء بعدما ذكرهم الله واحداً واحداً بأسمائهم سيقفون وسيُسألون حتّى يكون الحساب عادلاً وواضحاً وعن علم ودراية بحق جميع الأنبياء وأممهم{فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ؛ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ؛ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ؛ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ}. 

إنّ سؤال الأنبياء لا يقتصر فقط على طريقة تبليغهم للرسالة وحسب, بل يكون أيضاً للشهادة على جواب أمتهم على دعوتهم لعبادة الله والعبودية له. وبالتالي سيكون حكم الله بعد سماع جواب الأنبياء بشكلٍ عادل وعن علم بحيث يكون كلّ شيء واضحاً أمام الجميع, يقول القرآن الكريم {يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوب}. 

وهنا جواب الأنبياء (لَا عِلْمَ لَنَا) أمام الله يتعلق بحقيقة الرسالة التي أرسلها الله إليهم وبعثهم بها للناس {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}. 

ومن جهة ثانية تقع دليلاً على جنبة الاختيار الموجودة عند جميع الناس, وهي أنّه وبعد تبليغ الأنبياء لرسالتهم تكون الحجة قد تمّت على الجميع وما حصل من عناد وتعصّب لقبول الحق والأخذ به يرجع إليهم بمطلق اختيارهم, وعليه فإنّ مخالفتهم وإيصالهم أنفسهم للهلاك كان بسوء اختيارهم هم كما يقول القرآن الكريم{لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ}. 

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment