نماز جمعه

                            خطبة صلاة الجمعة في مسجد الإمام عليّ (ع) في هامبورغ

مُقامة مِن قِبَل مُدیر المركز و إمام المسجد

سماحة الدكتور الشيخ هادي مفتح

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين و الحمد لله الذی لا مُضادّ له في مُلكه و لا مُنازِعَ لَهُ في أمره. الحمدالله الذی لا شريك لَهُ في خلقه ولا شبيه لَهُ في عَظَمَتِه (جزء من دعاء الإفتتاح) وصلّی الله علی سيدّنا و نبيّنا محمّد صلّی الله عليه و علی آله الطاهرين و اصحابه المنتجبين. عبادالله ! أُوصيكم و نفسي بتقوی الله و اتّباع أمره ونهيه.

سيرة آدم أبو البشر

   لقد بدأت قصة النبي آدم أبو البشر منذ خلقة الإنسان. في الوقت الذي قضى الله بين الملائكة وأرسى قدرته ومشيئته في خلقة البشر عندما قال {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. 

– ملاحظات ينبغي الالتفات إليها في قصة النبي آدم:

الإنسان خليفة الله

   يؤكد القرآن الكريم في هذه الآية ومن خلال مفردة (إنّ) على حتمية إقرار الخلافة من جانب الله تعالى. والخلافة تأتي بمعنى الاستنابة, وتتحقّق بالاستنابة عن الشخص الأصلي والأساس في أيّ مكان أو زمان يكون غائباً فيه.  

   فلو تصوّر الإنسان حالة الانفصال عن الله وفرض أنّ الله محدوداً ومتناهياً, عندها ستكون هذه الخلافة والاستنابة قابلة للتحقّق, ولكن وكما نعلم بأنّ ذات الله سبحانه أزلية وغير متناهية فهي من باب {كَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً}. كما أنّ غيبة الله بلحاظ الزمان والمكان ليست صحيحة. فالله حاضرٌ في كل الأزمنة والأمكنة ولا يوجد مكان وزمان خالٍ منه حتّى يأتي شخص آخر وينوب عنه. وعليه ما هو المقصود بخلافة الإنسان لله تعالى؟   

يُجيب المفسّرون على موضوع خلافة الإنسان الكامل لله سبحانه وتعالى بأنّ هذه المسألة تكون من باب مظهرية الذات للذات الأخرى والاختلاف بينهما يكون من باب الاختلاف بين الظاهر والمُظهر, فأحدهما هو الأصل والآخر هو المرآة الحاكية عنه. فعندما يأتي الإنسان بعملٍ صحيح خالصٍ لله سبحانه وتعالى فهذا هو عين لطف الله الذي أظهر عمل الخير في هذا المظهر الخاص, وعليه يكون الإنسان خليفة الله في هذه الحالة, كما يقول القرآن الكريم {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ}.  ولكن عندما يبتلي الإنسان بالمعصية ويُصبح هو المبدأ للشر والقبح, فعندها لن يكون خليفة الله في هذه الحالة لأنّ المعصية والشر نقص والله سبحانه وتعالى كمال مطلق ولا يلحق به النقص أبداً, يقول القرآن الكريم{مَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ}. 

أثر الحياة الدنيا في خلافة البشر لله

   هل الإنسان الكامل يكون خليفة الله فقط في حياته في عالم الدنيا؟ وما هو المقصود من قيد (في الأرض) في الآية الكريمة (إنّي جاعل في الأرض خليفة)؟ 

   يجيب المفسّرون على هذا السؤال بأنّ الإنسان الكامل الذي هو خليفة الله ليس منحصراً في الحياة في عالم الدنيا, وقيد (في الأرض) هو لتعيين الخليفة لا خليفة الله وحسب. فإذا كانت خلافة الإنسان منحصرة في حدود عالم الدنيا فقط لماذا تعيّن على الملائكة أن يسجدوا له؟ وعليه يكون الملائكة خلفاء الله في السماوات والإنسان خليفة الله في الأرض. 

   إنّ الإنسان الكامل يكون خليفة الله والمرجع لأهل الأرض جميعاً كما يكون خليفة الله والمرجع لأهل السماوات. لذلك كان الله سبحانه وتعالى يخاطب نبيه الأكرم بقوله{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ}. كما يأمر أيضاً نبيه آدم أبو البشر بقوله {قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ}. 

سؤال الملائكة الله سبحانه وتعالى

   بالرجوع إلى القرآن الكريم نرى بأنّ الملائكة قد سألوا الله سبحانه وتعالى {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ}. ولكن كيف للملائكة أن يعرفوا بوجود حالة سفك الدماء والفساد عند البشر؟ 

   في الإجابة على هذا السؤال رجّح البعض أن الله سبحانه عندما قال (إنّي جاعل في الأرض خليفة) كان ملتفتاً إلى هذه المسألة, وهي أنّ الحياة الدنيوية ببعدها المادي مليئة بالشهوة والغضب, وعليه ستكون نتيجة هذه الشهوة والغضب الفساد وسفك الدماء بشكلٍ قهري. 

   ورجّح البعض الآخر أنّ نسلاً آخر من البشر كانوا يعيشون على سطح الأرض سابقاً وكانوا مبتلين بالفساد وسفك الدماء, ولهذا حكم الملائكة على النسل الجديد من البشر الذين سيخلقهم الله لاحقا بهذا الحكم. وهنا كان سؤال الملائكة لله سبحانه وتعالى ناجماً عن علمهم بماضي ومصير النسل السابق من بني البشر. 

   وفي المقابل ادّعى الملائكة أنّهم في الحقيقة والواقع أفضل من الإنسان لتولّي مقام الخلافة الإلهية. فالإنسان يكثر منه الإفساد والقتل والحال أنّنا نحن أهل تسبيح وتقديس للذات المقدسة لله سبحانه وتعالى.  

جواب الله

   أجاب الله الملائكة على سؤالهم إجابة قاطعة بأنّي أعلم الغيب ومطّلع على ما سيحصل ويحري من أمور{قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}. وبالنظر إلى الآيات اللاحقة يتبيّن المراد الذي يُشير الله إليه بما يعلمه هو وما خفي عن الملائكة أي نفس هذه الأمور الغيبية للسموات والأرضين. ثم يكمل الله في القرآن الكريم بعد بيان تعليم الله لآدم وتعليم آدم للملائكة بقوله {قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ}. 

اترك تعليقاً

Your email address will not be published. Required fields are marked *

Post comment